يرصد سولومون إيكانِم مشهد الذهب في أفريقيا خلال عام 2025 بوصفه عامًا مليئًا بالتناقضات، حيث أعادت البنوك المركزية في القارة ضبط احتياطياتها وسط ضغوط العملة، ومخاطر التضخم، وتقلبات أسعار الذهب العالمية. ويكشف التقرير أن القرارات لم تتبع مسارًا واحدًا، بل عكست استراتيجيات متباينة بين التحوط طويل الأجل واللجوء إلى السيولة السريعة.

 

يشير أفريكا بيزنس إنسايدر نقلًا عن بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن أداء البنوك المركزية الأفريقية في أسواق الذهب العالمية جاء مختلطًا، إذ اختارت بعض الدول تعزيز احتياطياتها، بينما فضلت دول أخرى البيع لتغطية احتياجات مالية عاجلة، في ظل صدمات خارجية وتغيرات في الأوضاع النقدية العالمية.


بين الشراء والبيع: استراتيجيات متباينة


تصدرت مصر قائمة المشترين في أفريقيا خلال 2025، رغم أن حجم مشترياتها ظل محدودًا مقارنة بدول كبرى مثل بولندا وكازاخستان. وتعكس هذه الخطوة توجهًا واضحًا لدى القاهرة لاستخدام الذهب أداة تحوط في مواجهة تقلبات سعر الصرف وارتفاع مخاطر التمويل الخارجي. ويلاحظ مجلس الذهب العالمي أن مصر اعتمدت بشكل متزايد على الذهب خلال السنوات الأخيرة لدعم احتياطياتها، بالتوازي مع تخفيضات متكررة في قيمة العملة، وبرامج مع صندوق النقد الدولي، وضغوط ميزان المدفوعات.


في المقابل، برزت غانا كأحد أكبر بائعي الذهب عالميًا، ما شكل تحولًا لافتًا عن سياستها السابقة التي ركزت على إعادة بناء الاحتياطيات، بما في ذلك برنامج «الذهب مقابل النفط». وتوضح البيانات أن هذه المبيعات تعكس ضغوطًا مالية وسيولة حادة دفعت السلطات إلى تسييل جزء من الاحتياطي بدل الاحتفاظ به كأداة استقرار طويلة الأجل.


وسجلت دول أخرى تحركات محدودة لكن ذات دلالة رمزية. أضافت غينيا، وهي منتج رئيسي للذهب، كميات صغيرة بهدف مواءمة الثروة المعدنية المحلية مع هيكل الاحتياطيات، رغم القيود المالية. وفي زيمبابوي، حملت حتى المشتريات المتواضعة بعدًا سياسيًا ونقديًا، في ظل سعي السلطات إلى دعم العملة المحلية شديدة التقلب.


الذهب كتحوط نقدي أم مصدر سيولة؟


تكشف المقارنة بين مصر وغانا انقسامًا واضحًا في طريقة استجابة البنوك المركزية الأفريقية للضغوط الاقتصادية. تراهن بعض الدول على الذهب كدرع واقٍ من الاعتماد المفرط على الدولار ومن تشديد السياسة النقدية العالمية، بينما تنظر دول أخرى إلى الذهب باعتباره أصلًا سائلًا يمكن اللجوء إليه سريعًا لتخفيف أزمات آنية.


ويبرز نموذج زيمبابوي في هذا السياق، إذ يضع مجلس الذهب العالمي الذهب في صلب الاستراتيجية النقدية لهاراري، خاصة مع تجربة أدوات مدعومة بالذهب لمحاولة احتواء ضعف العملة المحلية. وتعكس هذه المقاربة بحثًا عن بدائل غير تقليدية في بيئة نقدية غير مستقرة.


في المقابل، توضح تجربة غانا أن تسييل الذهب قد يوفر متنفسًا قصير الأجل، لكنه يحد من قدرة الدولة على استخدام الاحتياطي كوسادة أمان مستقبلية. ويؤكد التقرير أن هذه الخيارات تعكس مفاضلة صعبة بين الاستقرار طويل الأمد ومتطلبات التمويل الفوري.


قيود هيكلية وقيمة مضافة مفقودة


لا يقتصر تحدي الذهب في أفريقيا على قرارات الشراء والبيع، بل يمتد إلى قيود هيكلية أعمق. يوضح التقرير أن معظم دول القارة لا تزال تصدر الذهب الخام بدل معالجته محليًا، ما يقلل من القيمة الاقتصادية المضافة التي يمكن أن تستفيد منها البنوك المركزية والاقتصادات الوطنية.


ويشير مجلس الذهب العالمي إلى أن بعض الدول بدأت فرض سياسات تُلزم بالتكرير المحلي، في محاولة للاحتفاظ بجزء أكبر من سلسلة القيمة ودعم التصنيع. وسجلت بوركينا فاسو مثالًا لافتًا، إذ حققت إنتاجًا قياسيًا بلغ 94 طنًا من الذهب في 2025، مدفوعًا بإصلاحات في قطاع التعدين وزيادة إشراف الدولة، ضمن توجه أوسع نحو سيادة الموارد والطاقة.


أفريقيا في السياق العالمي


على المستوى العالمي، ظل حضور أفريقيا في سوق الذهب للبنوك المركزية محدودًا نسبيًا خلال ديسمبر 2025. قاد أوزبكستان قائمة المشترين بإضافة 10 أطنان، تلتها كازاخستان بـ8 أطنان، ثم بولندا بـ7 أطنان. وواصلت الصين سلسلة شراء امتدت لـ14 شهرًا متتاليًا، بينما سجلت سنغافورة أكبر عملية بيع بواقع 11 طنًا.


وتخلص بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن قصة الذهب في أفريقيا خلال 2025 لم تكن قصة أحجام ضخمة، بل قصة خيارات استراتيجية. فبين دول تراهن على الذهب تأمينًا للمستقبل، وأخرى تبيعه لتجاوز الحاضر، تظل الثروة المعدنية الأفريقية أقل استغلالًا مما يمكن، في ظل استمرار تصدير الخام وتباطؤ بناء سلاسل قيمة محلية مكتملة.



تعكس تحركات البنوك المركزية الأفريقية في 2025 قارةً تمشي على حبل مشدود بين الضغوط الآنية والرؤية بعيدة المدى. وبينما يستخدم البعض الذهب كدرع ضد الصدمات، يضطر آخرون إلى التفريط فيه لتأمين السيولة، ما يجعل استراتيجية الذهب مرآة دقيقة لأولويات كل دولة وحدود قدرتها على المناورة الاقتصادية.

 

https://africa.businessinsider.com/local/markets/africas-gold-story-2025-how-egypt-ghana-and-zimbabwe-central-banks-gained-and-lost/v09812z